مقال تحليلي | المضي قدماً نحو بناء مجتمع ذي مصير مشترك بين الصين ومصر في العصر الجديد
في الوقت الذي تحتفي فيه الصين ومصر بالذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، تأتي زيارة الدولة التي يقوم بها الرئيس الصيني «شي جين بينغ» إلى مصر لتضخ زخماً جديداً في مسار العلاقات الثنائية، وتدفع قدماً نحو بناء مجتمع ذي مصير مشترك بين الصين ومصر في العصر الجديد
رأي وتحليلات
9/1/20261 min read


القاهرة، 1 سبتمبر (شينخوا)
في الوقت الذي تحتفي فيه الصين ومصر بالذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، تأتي زيارة الدولة التي يقوم بها الرئيس الصيني «شي جين بينغ» إلى مصر لتضخ زخماً جديداً في مسار العلاقات الثنائية، وتدفع قدماً نحو بناء مجتمع ذي مصير مشترك بين الصين ومصر في العصر الجديد.
وتُعد مسيرة العقود السبعة من العلاقات الصينية المصرية شهادة حية ودليلاً دامغاً على ما يمكن للتضامن والتعاون أن يثمر عنه. فعلى مر السنين، واصل البلدان تعزيز روابطهما باطراد على الرغم من التحولات في المشهدين الإقليمي والدولي، وحافظا على تنسيق وثيق في الشؤون الدولية، وتبادلا الدعم في القضايا ذات الاهتمام المشترك، ووسّعا نطاق التعاون العملي، جاعلين من شراكتهما نموذجاً يُحتذى به في المودة والتضامن والتعاون بين الدول النامية.
وقد تجلت روح التضامن تلك بوضوح منذ اللحظات الأولى لتدشين العلاقات الدبلوماسية؛ ففي السنوات الأولى لتأسيس جمهورية الصين الشعبية، ساندت بكين مساعي مصر لاستعادة سيادتها الكاملة على قناة السويس. وفي عام 1971، صوّتت القاهرة لصالح استعادة جمهورية الصين الشعبية لمقعدها الشرعي في منظمة الأمم المتحدة. كما وقف الشعبان جنباً إلى جنب في الكفاح ضد الاستعمار والهيمنة، مما أرسى أساساً متيناً لصداقة استمرت لسبعة عقود.
وفي السنوات الأخيرة، واصلت العلاقات الصينية المصرية تعمقها تحت القيادة والتوجيه من رئيسي البلدين لتصل اليوم إلى أزهى مراحلها تاريخياً. فعلى مدار أكثر من عقد من الزمان، التقى الرئيس «شي» بالرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي» أكثر من 10 مرات، موفّرين التوجيه الاستراتيجي للتوسع المستمر في آفاق التعاون الثنائي.
وفي عام 2014، ارتقى البلدان بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة. وخلال زيارة الدولة التي أجراها الرئيس «شي» لمصر في عام 2016، اتفق الجانبان على المواءمة والتكامل بين مبادرة «الحزام والطريق» والاستراتيجيات التنموية في مصر. وفي عام 2024، أصبحت مصر أول دولة عربية تُدرج هدف بناء مجتمع ذي مصير مشترك ضمن بيان مشترك ثنائي.
وانطلاقاً من الرؤية المشتركة للقائدين، ازدهر التعاون المصري الصيني في حزمة واسعة من المجالات؛ شملت التجارة، والاستثمار، والصناعة، والطاقة، والعلوم والتكنولوجيا، والتبادل الثقافي، محققاً مكاسب ملموسة لشعبي البلدين.
وتتربع الصين على رأس قائمة الشركاء التجاريين لمصر لأكثر من عقد، بينما تجسد المشاريع الكبرى والمعالم البارزة — مثل المنطقة التعاونية الاقتصادية والتجارية الصينية المصرية بخليج السويس «تيدا»، ومجمع بنبان للطاقة الشمسية، وقمر الاستشعار عن بعد «مصر سات-2»، ومركز البيانات والحوسبة السحابية الحكومي — كيف اتسع نطاق التعاون الثنائي ليمتد من الطاقة المتجددة وتكنولوجيا الفضاء إلى الحوكمة الرقمية.
ولم ينحصر التعاون في الأطر الاقتصادية فحسب، بل امتد ليتجاوزها؛ حيث أسهمت أعمال التنقيب الأثري المشتركة في الأقصر، ومعارض الحضارة المصرية في الصين، في تقريب تاريخ وثقافة الحضارتين العريقتين من وجدان شعبيهما، مما منح العلاقات الثنائية ركيزة إنسانية وشعبية أعمق.


ولا تقتصر أهمية العلاقات بين الصين ومصر على حدود البلدين فحسب، فمصر كانت أول دولة عربية تقيم علاقات دبلوماسية مع بكين، مما جعل الروابط الصينية المصرية نقطة انطلاق لعلاقات الصين مع العالم العربي بأسره. وعلى مر السنين، واصل زخم التعاون الصيني العربي نموه المطرد، حيث خلقت مشروعات «الحزام والطريق» فرصاً جديدة للتنمية وحسّنت سبل العيش في جميع أنحاء المنطقة.
كما عملت الصين ومصر بتنسيق وثيق في المحافل والمؤسسات متعددة الأطراف، بما في ذلك الأمم المتحدة، ومجموعة العشرين، ومجموعة بريكس، ومنظمة شانغهاي للتعاون. ومن خلال تنسيق مواقفهما والجهر بصوتيهما إزاء القضايا ذات الاهتمام المشترك، أسهم البلدان في إعلاء صوت «الجنوب العالمي» وجعله أكثر قوة وتأثيراً.
وفي وقت يشهد فيه العالم تغيرات بالغة العمق — في ظل تعافٍ اقتصادي ما زال هشاً، وتصاعد النزعات الأحادية والهيمنة، واستمرار تفاقم الصراعات الإقليمية — غدا تكاتف دول الجنوب العالمي ومضيها المشترك نحو التقدم أكثر إلحاحاً وأهمية من أي وقت مضى.
وبالنسبة للجنوب العالمي، يحمل التعاون الصيني المصري رسالة ذات أبعاد أوسع وأشمل؛ فمن خلال حشد الطاقات وتكامل القدرات، وتوسيع آفاق التعاون العملي، وتبادل الدعم للمسارات التنموية، تستطيع دول الجنوب العالمي خلق مزيد من الفرص الذاتية لشعوبها، وتقديم إسهام أعظم في مسيرة التنمية المشتركة للعالم.
وستوفر زيارة الرئيس «شي» المرتقبة فرصة متجددة لترسيخ هذه الروح والمضي بها قدماً؛ إذ ستواصل الصين العمل مع مصر وسائر الشركاء في العالم العربي لتعميق التعاون متبادل المنفعة، والتمسك بالتعددية، وإعلاء صوت الدول النامية، والدفع باتجاه إرساء نظام دولي أكثر عدلاً وإنصافاً.
