25 عاماً على تأسيس منظمة شانغهاي للتعاون وصعود عالم متعدد الأقطاب

عندما تأسست منظمة شانغهاي للتعاون في عام 2001، كان النظام الدولي لا يزال خاضعاً بصورة شبه مطلقة لمركز قوة أحادي. وبالنسبة للعديد من الدول النامية، بدت الحوكمة العالمية خاضعة لسطوة المؤسسات والأولويات الغربية

رأي وتحليلات

9/1/20261 min read

عندما تأسست منظمة شانغهاي للتعاون في عام 2001، كان النظام الدولي لا يزال خاضعاً بصورة شبه مطلقة لمركز قوة أحادي. وبالنسبة للعديد من الدول النامية، بدت الحوكمة العالمية خاضعة لسطوة المؤسسات والأولويات الغربية، مما ترك مساحة محدودة للغاية للأصوات والرؤى البديلة.

أما اليوم، فقد تبدل المشهد تماماً؛ إذ تجاوزت منظمة شانغهاي للتعاون أهدافها الإقليمية الأولى بمراحل، وبات توسعها يعكس تنامي الثقة والنفوذ والثقل الاستراتيجي لدول الجنوب العالمي في مسار الشؤون الدولية.

ومع امتداد دائرة أعضائها وشركائها لتغطي معظم أنحاء آسيا والشرق الأوسط وأوراسيا، تحولت المنظمة إلى منصة محورية للدول النامية لتنسيق السياسات، وتعميق التعاون الاقتصادي، وإعلاء صوتها الجماعي وتأثيره على الساحة العالمية.

إن ما يمنح منظمة شانغهاي للتعاون أهمية استثنائية هو أنها برزت في مرحلة كانت تسعى فيها الكثير من الدول النامية إلى تمثيل أوسع وأعدل في هيكل الحوكمة العالمية. فعلى مدار سنوات طوال، أكدت دول الجنوب العالمي أن المؤسسات الدولية تعجز غالباً عن مواكبة الحقائق الاقتصادية والجيوسياسية المعاصرة. ومن هنا، توفر منظمة شانغهاي للتعاون فضاءً بديلاً للحوار والتعاون؛ فضاءً يستند إلى الاحترام المتبادل، والمساواة في السيادة، وبناء التوافق بدلاً من سياسات المحاور أو الصدامات الأيديولوجية.

وعلاوة على التعاون الأمني، وسّعت المنظمة تركيزها باطراد ليشمل قطاعات حيوية كالتجارة، والربط اللوجستي والمواصلات، والطاقة، والتنمية الرقمية، والتبادل الثقافي، والروابط الإنسانية والشعبية. ومن خلال مبادرات تربط بين ممرات النقل، وشبكات الطاقة، والأسواق الإقليمية، يعمل أعضاء المنظمة على ترقية التكامل الاقتصادي وفتح آفاق جديدة للنمو في أكثر مناطق العالم حيوية وديناميكية.

ولا يقل عن ذلك أهمية أن المنظمة تمثل منصة تمكّن الدول النامية من التصدي الجماعي للتحديات المشتركة؛ بدءاً من مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن الإقليمي، وصولاً إلى الأمن الغذائي، والتحول في قطاع الطاقة، والتنمية المستدامة. ومع زيادة توزيع موازين القوى العالمية وتعدد مراكزها، تساعد المنظمة أعضاءها على التعامل بكفاءة مع بيئة دولية تزداد تعقيداً، مع صون استقلاليتهم الاستراتيجية وسيادتهم في اتخاذ القرار.

وفي كثير من الأوجه، يعكس التطور الذي شهدته منظمة شانغهاي للتعاون الصعود الأوسع للجنوب العالمي نفسه؛ إذ يُترجم واقع عالم لم تعد فيه الاقتصادات الناشئة تكتفي بمجرد التكيف مع قرارات تُصنع في أماكن أخرى، بل أصبحت شريكاً فاعلاً في صياغة الأجندات الإقليمية والدولية، والمساهمة بأفكار ومؤسسات وأطر جديدة تعزز التعاون الدولي.

إن توسع منظمة شانغهاي للتعاون لا يهدف إلى تأسيس كتلة عسكرية جديدة أو استنساخ تحالفات الحرب الباردة، بل يعبر بدقة عما ظلت دول الجنوب العالمي تنشده طويلاً: تعاون بلا إكراه، وحوار بلا هيمنة، وشراكة متكافئة دون شروط أو إملاءات سياسية.

وعلى مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، كبرت منظمة شانغهاي للتعاون لتصبح عائلة تجمع 27 دولة ذات ثقافات وأنظمة سياسية ونماذج اقتصادية وتجارب تاريخية متنوعة. وهذا التنوع بالتحديد هو ما يمنح المنظمة طابعها الفريد والمميز؛ فخلافاً للتحالفات الغربية القائمة على التوافق الأيديولوجي الصارم، تثبت منظمة شانغهاي للتعاون أن التعاون المشترك يمكن أن ينمو ويزدهر عبر تقبل الاختلاف وتجاوزه، لا من خلال فرض التماثل والنمطية.

وفي جوهر هذا النهج، تكمن «روح شانغهاي» — وهي فلسفة راسخة تقوم على الثقة المتبادلة، والمنفعة المشتركة، والمساواة، والتشاور، واحترام التنوع الحضاري، والسعي نحو التنمية المشتركة.

وبالنسبة للعديد من الدول في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وغيرها، يكتسب هذا النموذج جاذبية خاصة؛ فطالما وجدت الدول النامية نفسها لعقود أسيرة شراكات مفروضة تقترن بشروط سياسية، أو وصفات حوكمة مسبقة، أو متطلبات اصطفاف استراتيجي. وتطرح منظمة شانغهاي للتعاون نموذجاً مختلفاً تماماً يكرس التشاور بدلاً من الإملاء، والتعاون بدلاً من ممارسة الضغوط.

إن أعضاء منظمة شانغهاي للتعاون لا يتفقون بالضرورة حول كل مسألة، ولا يتشاركون مصالح استراتيجية متطابقة، بيد أن قدرة المنظمة على جمع دول تتباين رؤاها ووجهات نظرها تمثل أحد أعظم عناصر قوتها؛ إذ تُبرهن للعالم بأسره أن التعددية الدولية الحقيقية لا تتطلب التماثل والتطابق، بل تستند إلى الإرادة الصادقة في الحوار والتشاور وبناء المساحات المشتركة.

وفي الوقت ذاته، تبرز المساهمة الأهم لمنظمة شانغهاي للتعاون في نهجها تجاه الحوكمة العالمية؛ فبالنسبة للعديد من دول الجنوب العالمي، غالباً ما كانت المؤسسات الدولية تُرى على أنها انعكاس لمصالح فئة محدودة من القوى الكبرى. في المقابل، تطرح المنظمة رؤية بديلة ترتكز على التشاور، والشمولية، والمشاركة المشتركة في تصريف الشؤون الدولية.

وعبر دعوتها إلى التشاور الموسع، والمساهمة المشتركة، وتقاسم المنافع، تسعى المنظمة إلى إتاحة مساحة أرحب للدول النامية في صناعة القرار العالمي. كما يلقى تأييدها للمساواة في السيادة والتعددية الدولية، ورفضها للإجراءات الأحادية، صدى واسعاً لدى دول طالما تطلعت إلى دور أقوى وتأثير أكبر في صياغة القواعد والأولويات الدولية.

وبناءً على ذلك، تجاوزت منظمة شانغهاي للتعاون دورها الإقليمي الأول، لتتحول إلى منصة تعبر عبرها دول الجنوب العالمي عن أولوياتها وتطلعاتها بثقة أعمق. وتكتسب هذه الرؤية وجاهتها وتأثيرها لتركيزها على احترام التنوع، وتحقيق التنمية المشتركة، وصون الخيارات السيادية؛ فالغاية بالنسبة لكثير من الدول لا تكمن في استبدال مركز قوة بآخر، بل في بناء نظام دولي يتيح لكل دولة المضي في مسارها التنموي الخاص دون أن تُجبر على الانخراط في صراعات واستقطابات جيوسياسية.

وبعد مرور 25 عاماً، لم تعد «روح شانغهاي» مجرد شعار يفقد بريقه بمرور الوقت، بل تكمن راهنيتها وقيمتها المستمرة في استجابتها لحاجة ملحة وجوهرية تتشاركها دول الجنوب العالمي؛ وهي الرغبة في بناء شراكات تقوم على المساواة والاحترام المتبادل والتنمية المشتركة، بدلاً من الهيمنة التراتبية والتبعية.

وفي عصر يبدو فيه العالم منقسماً بصورة متزايدة بفعل الصراعات واستقطاب التكتلات، تُبرهن منظمة شانغهاي للتعاون على أن التعاون لا يزال خياراً ممكناً؛ إذ يقدم تركيزها على التشاور والمنفعة المتبادلة واحترام التنوع مساراً مغايراً يفتح الآفاق والفرص بدلاً من فرض الخيارات والإملاءات.

وبالنسبة لمليارات البشر في بلدان الجنوب العالمي، تتجاوز هذه الرؤية كونها مفهوماً دبلوماسياً مجرداً؛ لتغدو مبعث أمل وتفاؤل بمستقبل أكثر عدلاً وتوازناً وتعدداً للأقطاب.

ملاحظة المحرر:

يشغل «مايا ماجوران» منصب مدير مؤسسة «مبادرة الحزام والطريق في سريلانكا»، وهي منظمة مستقلة ورائدة تتمتع بخبرات واسعة في تقديم المشورة والدعم لمبادرة الحزام والطريق.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب، ولا تعكس بالضرورة مواقف وكالة أنباء شينخوا.